هشام جعيط

230

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تحوير الهياكل العسكرية والإدارية لا تشغل بالنا الهياكل العسكرية والإدارية والمالية بصفتها تلك ، في هذا القسم من الدراسة لأنها تتعلق أصلا بالعمران والتنظيم البشري والسياسي ، لكن علينا الإشارة إليها نوعا ما لفهم المظهر الحضري والطوبوغرافيا وتوزيع القطائع وتطورها ، والظروف التي مكّنت الناس من الاستقرار والعيش . وإذا ما فكرنا من جهة أخرى أن هيكلة المدينة ارتبطت ارتباطا عميقا بالمنشآت القبلية والعشائرية في شكل قطائع متميزة في الحزام وخارج المركز ، فإننا سنجبر حقا على الرجوع إلى كل ما يتصل بتنظيم الجموع القبلية ضمن دراسة حضرية صرف . وقد بيّنا كيف وزّعت الخطط في بداية الأمر - أي منذ حلول سنة 17 ه - ولا يمكن تجاهل هذا الاستقرار الأول ، حتى لو فرضنا أن تغييرات ناتجة عن تدفق جموع المهاجرين المسترسلة قد طرأت عليه بسرعة كبيرة وتسببت في مصاعب . كان التنظيم الأول يتضمن منطقيا قوة الجمود ، إذ كان دقيقا وملزما لا محالة ، وقد اتضح أن المصادر التاريخية التالية ، ومنها روايات الثورات التي نقلت عن أبي مخنف ، أكدت الأمر إلى حد بعيد . مثلا مر علي بمواقع عشائر همدان « 1 » التي كانت في الشمال كما قال سيف « 2 » ، وهو في طريق العودة من الجزيرة والشام ، بعد وقعة صفين ، أي من الشمال الغربي ؛ وخلال ثورة المختار عبر إبراهيم بن الأشتر المركز للحاق بالمختار وكان الأول مقيما بالنخع في الجنوب . والمرجح أن الثاني كان يقيم بشمال المسجد : كان وصفا ملحميا وغامضا أيضا عند أبي مخنف « 3 » ذاك الذي خصّصه لهذه الرحلة عبر المركز . هذه حجة أن النخع كانت تشكل مجموعة معتبرة ضمن قبيلة مذحج ، كانت تقيم باستمرار في الجنوب حسب ما رسمه سيف أول مرة لخارطة القبائل . وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع ، على أن التصميم الأول يمكن أيضا ألا يطابق تحركات الجيوش التي تابعها أبو مخنف . نجد في هذا الصدد التواء ينبغي تعليله قدر المستطاع ويعني ذلك أنه يصعب التغاضي عن التصور الشامل الأول ، ومن المهم تكييفه بصفة أو بأخرى مع روايات أبي مخنف . أما كتاب اليعقوبي ، فهو قليل الفائدة بخصوص العصر الأموي إلا أنه يوضح توضيحا مهما التحويرات المتأخرة التي جرت في العصر العباسي « 4 » . ولنذكر أن النقص الرئيسي الذي

--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 62 . مر بثور ثم فائش وأخيرا شبام . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 19 - 22 . ( 4 ) كتاب البلدان ، ص 311 : يقول « انتشرت همدان في الكوفة » . كما أقامت تميم ، بكر وأسد « في الأطراف » . -